الفتال النيسابوري
409
روضة الواعظين وبصيرة المتعظين
مفاخرة أهل الدنيا لا ينافسون في الدنيا ؛ ولا يفرحون بغضارتها ، ولا يحزنون لبؤسها [ . . . ] . ألا فإنّ طالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه ، وعلى أثر الماضي يصير الباقي [ . . . ] . إنّ اللّه تعالى خلق خلقا ضيّق عليهم الدنيا نظرا لهم ، فزهّدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام التي دعاهم إليها ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عند اللّه من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان اللّه ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة ؛ فلقوا اللّه وهو عنهم راض ، وعلموا أنّ الموت سبيل من مضى ومن بقي ، وتزوّدوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ، ولبسوا الخشن ، وصبروا على القوت ، وقدّموا الفضل ، وأحبّوا في اللّه وأبغضوا في اللّه عزّ وجلّ أولئك المصابيح ، وأهل النعيم في الآخرة ، والسلام « 1 » . [ 1442 ] 27 - قال الرضا عليه السّلام : قال عيسى بن مريم عليهما السّلام للحوارييّن : يا بني إسرائيل ! لا تأسوا على ما فاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم ، كما لا يأس أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم « 2 » . [ 1443 ] 28 - قال أبو جعفر عليه السّلام : كان أمير المؤمنين عليه السّلام بالكوفة ، وإذا صلّى العشاء الأخيرة [ الآخرة ] ينادي الناس ثلاث مرّات حتّى يسمع أهل المسجد : أيّها الناس تجهّزوا رحمكم اللّه ؛ فقد نودي فيكم بالرحيل ، فما التعرّج « 3 » على الدنيا
--> ( 1 ) معاني الأخبار : 198 / 4 ، أمالي الصدوق : 478 / 644 كلاهما عن عبد اللّه بن بكير المرادي عن الإمام الكاظم عن آبائه عليهم السّلام عنه عليه السّلام ، البحار : 77 / 376 / 1 . ( 2 ) الكافي : 2 / 137 / 25 عن الوشّاء مع اختلاف يسير ، البحار : 14 / 304 / 16 . ( 3 ) التعرّج : حبس المطيّة ، والإقامة الطويلة والغفلة عن السير والسفر ، والتعرّج على الدنيا : الركون إليها .